الجاحظ

298

الحيوان

306 - [ الترجمان بن هريم والحارث بن شريح ] وسمع الترجمان بن هريم عند يزيد بن عمر بن هبيرة ، رجلا يقول : ما جاء الحارث ابن شريح بيوم خير قطّ . قال التّرجمان : إلا يكن جاء بيوم خير فقد جاء بيوم شرّ « 1 » . 307 - [ سياسة الشّدّة واللّين ] وبعد فأيّ رئيس كان خيره محضا عدم الهيبة . ومن لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة ، وقتل في موضع القتل ، وأحيا في موضع الإحياء . وعفا في موضع العفو ، وعاقب في موضع العقوبة ، ومنع ساعة المنع ، وأعطى ساعة الإعطاء ، خالف الرّبّ في تدبيره ، وظنّ أن رحمته فوق رحمة ربه . وقد قالوا : بعض القتل إحياء للجميع . وبعض العفو إغراء ، كما أنّ بعض المنع إعطاء ، ولا خير فيمن كان خيره محضا ، وشرّ منه من كان شرّه صرفا ، ولكن اخلط الوعد بالوعيد ، والبشر بالعبوس ، والإعطاء بالمنع ، والحلم بالإيقاع ، فإنّ الناس لا يهابون ولا يصلحون إلّا على الثّواب والعقاب ، والإطماع والإخافة . ومن أخاف ولم يوقع وعرف بذلك ، كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك ، ومن عرف بذلك دخل عليه بحسب ما عرف منه . فخير الخير ما كان ممزوجا ، وشرّ الشرّ ما كان صرفا ، ولو كان النّاس يصلحون على الخير وحده لكان اللّه عزّ وجلّ أولى بذلك الحكم . وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار على استعمال المكروه والمحبوب ، دليل على أنّ الصواب فيه دون غيره . وإذا كان الناس إنما يصلحون على الشّدّة واللين ، وعلى العفو والانتقام وعلى البذل والمنع ، وعلى الخير والشرّ ، عاد بذلك الشرّ خيرا وذلك المنع إعطاء وذلك المكروه محبوبا . وإنّما الشأن في العواقب ، وفيما يدوم ولا ينقطع وفيما هو أدوم ، ومن الانقطاع أبعد . وقال الشاعر ، وهو يمدح قوما : [ من البسيط ] إن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوا * فالجهد يخرج منهم طيب أخبار « 2 »

--> ( 1 ) ورد الخبر في البيان والتبيين 1 / 199 . ( 2 ) البيتان للعرندس الكلابي في معجم الشعراء 173 ، وأمالي القالي 1 / 239 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 1593 ، والحماسة المغربية 299 ، ولعبيد بن العرندس الكلابي في التنبيه للبكري 72 ، والسمط 546 ، والكامل 1 / 47 ( مكتبة المعارف ) ، وبلا نسبة في ديوان المعاني 1 / 23 ، 41 ، والحماسة الشجرية 1 / 359 ، وانظر حاشية الحماسة المغربية .